السلمي

49

تسعة كتب في اصول التصوف والزهد

وكان من هؤلاء الزّهّاد عطاء السليمي ( بعد : 140 / 757 ) من صغار التابعين ، أدرك أنس بن مالك ، وسمع الحسن البصري . واشتغل بنفسه عن الرواية . وكان قد أرعبه فرط الخوف من اللّه بحيث قيل له : « أرأيت لو أن نارا اشتعلت ، ثم قيل : من اقتحمها نجا ، ترى كان يدخلها أحد ، قال : لو قيل ذلك ، لخشيت أن تخرج نفسي فرحا قبل أن أصل إليها » . قال أبو سليمان الداراني : « اشتد خوفه فكان لا يسأل الجنة ، بل يسأل العفو » . وقيل : كان إذا بكى ، بكى ثلاثة أيام بلياليها . وقال : « إذا ذكرت جهنم لا يسعني طعام ولا شراب » . وربما غشي عليه عند الموعظة . وقيل : إنه شيّع جنازة فغشي عليه أربع مرات « 1 » . فلما ولدت نزعة الزهد طائفة تسمى بالمتصوفة ، أخذت هذه الطائفة تطوّر علما له مبادئه ومناهجه ، يسمى « التصوف » . كما طوّر الفقهاء الفقه وأصوله ، والمحدثون طوّروا علم الحديث وأصوله ، والمفسرون طوّروا التفسير ومنهجه ، وكذلك طوّر الزهاد الفقه الباطن وهو « التصوف » ، فوضعوا مناهجه ومبادئه . فأصبح التصوف - الذي ظهر نزعة عملية في أول الأمر - علما له مصطلحات ، وإشارات لا يعرفها إلّا المختصون به . ومما لا شك فيه أن هناك أشياء تسربت في التصوف أثناء تطوره مما يخالف الكتاب والسنّة . وربما وضعت هذه الأفكار الدخيلة بشكل الأحاديث لتروج بين الناس . وللّه الحمد قد ظهر علماء الصوفية الواقفون

--> ( 1 ) سير أعلام النبلاء : 6 / 87 - 88 ؛ صفة الصفوة : 3 / 325 - 331 .